صديق الحسيني القنوجي البخاري

235

فتح البيان في مقاصد القرآن

النصارى لكان له من الأمر شيء ولقدر أن يدفع عن نفسه أقل حال ، ولم يقدر على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها . وتخصيصها بالذكر مع دخولها في عموم وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً لكون الدفع منه عنها أولى وأحق من غيرها فهو إذا لم يقدر على الدفع عنها أعجز عن أن يدفع عن غيرها ، وذكر من في الأرض للدلالة على شمول قدرته وأنه إذا أراد شيئا كان لا معارض له في أمره ، ولا مشارك له في قضائه . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي ما بين النوعين من المخلوقات فإنها ملكه وأهلها عبيدة ، وعيسى وأمه من جملة عبيدة . يَخْلُقُ ما يَشاءُ جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق الخلق بحسب مشيئته من غير اعتراض عليه فيما خلق ، لأنه خلق آدم من غير أب وأم وخلق عيسى من أم بلا أب ، وخلق سائر الخلق من أب وأم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يستصعب عليه شيء . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أثبتت اليهود لأنفسها ما أثبتته لعزير حيث قالوا عزير ابن اللّه ، وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته للمسيح حيث قالوا المسيح ابن اللّه ، وقيل هو على حذف مضاف أي نحن أتباع أبناء اللّه ، وقيل أبناء أنبياء اللّه ، ونظيره إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] قاله الكرخي . وهكذا أثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء اللّه بمجرد الدعاوى الباطلة والأماني العاطلة ، فأمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يرد عليهم فقال : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أي إن كنتم كما تزعمون فما باله يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب بالقتل والمسخ ، وبالنار في يوم القيامة كما تعترفون بذلك بقولكم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] فإن الابن من جنس أبيه لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب ، وأنتم تذنبون والحبيب لا يعذب حبيبه وأنتم تعذبون ، فهذا يدل على أنكم كاذبون في هذه الدعوى ، وهذا البرهان هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف . وأخرج أحمد في مسنده عن أنس قال : مر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني ، فسعت فأخذته فقال القوم : يا رسول اللّه ما كانت هذه لتلقي